مجتمع

بين الغضب والفهم…حكاية عند شباك المحكمة

بين الغضب والفهم…حكاية عند شباك المحكمة

بين الغضب والفهم… حكاية عند شباك المحكمة

قصة ليست من وحي الخيال. 

دخل مسرعا…

وجهه مشدود… وعيناه تبحثان عن أحد يفرغ فيه غضبه.

المواطن:

السلام… فين وصل الملف ديالي؟ ولا خاصني نعرف شي حد باش يتحرك؟ هكذا و بدون مقدمات

رفع كاتب الضبط عينيه ببطئ…

نظر إليه بهدوء… كأنه سمع هذا السؤال كثيرا.

كاتب الضبط:

عطيني رقم الملف… نشوف.

المواطن (بنبرة فيها سخرية و فيها ما فيها):

رقم الملف؟

هاهو الرقم ياك ما خاصني شي حاجة اخرى؟

توقف كاتب الضبط لحظة…

لم يكن عاجزا عن الرد…

بل كان قادرا… وربما كان يجب أن يرد بصرامة.

لكن…

كبر سن الرجل…بساطة ملامحه…

وتعب واضح في عينيه…

جعله يختار طريقا آخر.

لم يكن الصمت عجزا…

بل كان فهما…

إن بعض الغضب…لا يجابه بالقوة…بل بالصبر و الانصات.

ثم أخذ الورقة دون تعليق.

المواطن (مسترسلا):

حنا عارفين كيفاش كتمشي الأمور…

 

ظل كاتب الضبط ينظر إلى الشاشة…

أصابعه تتحرك… لكن صوته بقي هادئا.

كاتب الضبط:

واش فعلا كتشوف الأمور بهاد البساطة؟

المواطن:

بصراحة؟ اه.

حيت اللي كنشوفو ما كيعطي حتى تفسير آخر. 

رفع كاتب الضبط رأسه…

هذه المرة نظر إليه كمن يريد أن يشرح…لا أن يدافع.

 

كاتب الضبط:

هاد الملف… ماشي غير عندي أنا.

كاين تبليغ… كاين تنفيذ…

كاين إجراءات خاصها وقت… وماشي كلها بيدي.

انخفضت حدة صوت المواطن… لكن لم تختفي بعد.

المواطن:

ولكن التأخير كاين… و هادشي مامفهومش وأنا ملفي معطل.

 

أشار كاتب الضبط نحو الرفوف… والملفات المكدسة.

كاتب الضبط:

كل واحد فيهم… فيه واحد بحالك.

مستعجل… متقلق… باغي حقو.

واحنا…

خاصنا نكونو دقيقين…

حيت خطأ صغير… أو إجراء ماشي هو يرجع كلشي من الأول.

جلس المواطن دون أن ينتبه…

المواطن (بصوت أقل حدة):

ولكن هادشي راه بزاف و تاواحد ما بغا يعاوني و الناس ماباغاش دير خدمتها

نظر إليه كاتب الضبط…هذه المرة لم يبتسم.

كاتب الضبط:

المشكل… ماشي غير فهاد الفكرة لي نتا مقتنع بها.

سكت لحظة… ثم قال بهدوء مؤلم:

كاتب الضبط:

المشكل… أنك كتجي عندي وإنا أول واحد فوجهك…

وكتحطني مسؤول على كلشي.

على التأخير…

على التنفيذ…

على التبليغ…

حتى على أمور ماشي بيدي أصلا.

ارتبك المواطن قليلا…

كاتب الضبط:

وكتتهمنا…

بشي حاجة بهتانا و لولا امور قدرتها لكان موقفي معك اتخذ منحى آخر.

صمت قصير…

كاتب الضبط:

كتشوف فيا موظف…

ولكن أنا حتى أنا…

مواطن بحالك.

ثم أضاف… وكأنه يفتح شيئا في داخله:

كاتب الضبط:

عارف شنو صعيب أكثر؟

نظر إليه المواطن… دون مقاطعة هذه المرة.

كاتب الضبط:

أنا ما كنتعاملش غير معاك…

كنتعامل مع عشرات الحالات كل نهار.

واحد غاضب…

واحد مظلوم…

واحد خايف…

واحد ما فاهم والو…

أخذ نفسا خفيفا…

كاتب الضبط:

وكل واحد… خاصو جواب.

وكل واحد… خاصني نلقا ليه الطريقة باش نهضر معاه.

ابتسم إبتسامة فيها تعب واضح:

كاتب الضبط:

مرات كنكون كاتب ضبط…

ومرات… كنكون مساعد إجتماعي…

مرات كنكون كنحلل الوضع…فحال محلل نفسي…

ومرات… غير كنسمع.

توقف لحظة…

كاتب الضبط:

وكنكون خاصني نبقى هادئ…

حتى الا ماشي هادئ من الداخل.

ثم رفع عينيه قليلا…

كاتب الضبط:

وماشي غير المواطنين…

كنتعامل مع جميع المتدخلين فهاد المنظومة…

ابتسم إبتسامة خفيفة… فيها مفارقة:

كاتب الضبط:

كل واحد عندو انتظارات…

وكل واحد باغي الأمور تمشي بسرعة…

وبطريقته.

ثم قال بهدوء عميق:

كاتب الضبط:

وأنا… خاصني نوازن بين هاد الشي كامل…

بلا ما نغلط…و بلا ما نحتج.

وبلا ما نطيح.

صمت…

ثم أضاف بصوت أخف :

كاتب الضبط:

ومن بعد… كنخرج من المحكمة…

كنحاول نخلي كلشي هنا…

باش نمشي للدار…

ونكون أب…و زوج…

كيصبر…

كيهضر بهدوء…

وكيصغي.

رفع نظره إليه:

ساد صمت…

لكن هذه المرة… كان مليئا بالفهم.

 المواطن (بصوت منخفض):

الله يحسن العون ، ماديش عليا راه الله لي عالم بيا.

كاتب الضبط:

تا أنا الله لي عالم بيا و لكن مايهمش راه أنا هنا باش نقدم لك خدمة و نرشدك… 

وقف المواطن ببطء…

المواطن:

سمح ليا و قدر ظروفي … يمكن زربت كانعتذر.

كاتب الضبط:

ماشي مشكل…

حنا كاملين كنحكمو من اللي كنشوفو. و اقبل اعتذارك

قبل ان يخرج… التفت:

المواطن:

دير ليا غير جهدك فداك الملف.

ابتسم كاتب الضبط:

كاتب الضبط:

غادي ندير جهدي بحال كل نهار. و مع الجميع  

خرج المواطن…

لكن هذه المرة… لم يكن غاضبا كما دخل.

وفي الداخل…

بقي كاتب الضبط أمام الشاشة…كما كل يوم…

لكن خلف الشاشة…

لم يكن مجرد موظف.

كان إنسانا…

يحاول فقط…

أن لا يُضيع حق أحد.

غادر المواطن…

وبقي كاتب الضبط…

يتنهد بصمت…

ويتمتم في داخله:

نحن لا نطلب إمتيازات…

ولا نبحث عن الشفقة.

نطلب فقط…

أن لا نهان… ونحن نخدم العدالة.

 

لأن الحقيقة التي لا تقال كثيرا…

 

أن من يقف خلف الشباك…

ليس موظفا آليا…

ولا رقما في إدارة.

هو إنسان…

يتلقى غضب الأغلبية…وإمتنان الأقلية… 

ويَحمِل ما لا يُتحمل…

ويطلب منه أن يبتسم… ويتقن… ولا ينهار… 

فهو…

بين مطرقةٍ لا تُرى…

وسندانٍ لا يرحم…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
هذا الموقع مسجل على wpml.org كموقع تطوير. قم بالتبديل إلى مفتاح موقع الإنتاج إلى remove this banner.