Site icon أخبار مراكش

بين الحكمة والد.م: عندما تُغمس ريشة السخرية في حبر المج..ازر

بين الحكمة والدم: عندما تُغمس ريشة السخرية في حبر المجازر
بقلم: عبد اللطيف رقيق

في حضرة المأساة، لا مكان للعبث. حين تكون الأشلاء هي اللغة، والجوع هو الخبز اليومي لأطفال غزة، يصبح الرسم أداة قاتلة إن لم يحمل الحقيقة. الصورة التي اختارتها شارلي إيبدو لتصدر بها عددها الصادر يوم 30 يوليوز 2025، لم تكن مجرد كاريكاتير عابر. لقد كانت مرآة صادمة لعالم يضحك على حطام الأجساد، ويغض الطرف عن المجازر حين تأتي من “الحليف المحصن” المدعو نتنياهو.

“حبيبتي، لقد قمت بتضئيل الأطفال”، هكذا كتبوا. سخرية؟ أم تجميل قاتل؟
هل صار التهام الطفولة بفكك الحصار والحرب مادةً للتهكم البارد؟
هل تَصاغُ الجرائم بلغة المزاح حين يكون الضحية طفلًا ناحلًا، جائعًا، مذعورًا؟
لا، هذه ليست سخرية سوداء، بل بياض خادع يُراد به تبرئة القاتل وإدانة الصمت.

نتنياهو، المطلوب للعدالة الدولية، لا “يُصغّر” الأطفال… هو يدفنهم أحياء تحت ركام المنازل، يطحن عظامهم في مطاحن الصواريخ، ويمنع عنهم شربة ماء أو لقمة في جوف الليل المحاصر.
إنه لا يرسم وجوههم بل يطمس ملامحهم.
والصحيفة التي ادعت السخرية، إنما اختارت أن تضحك على حساب دموع الأمهات، وأن تجعل من الجلاد نكتة خفيفة الظل في مسرح الجثث.

يا من تزعمون حرية التعبير، هل رأيتم حريةً تتواطأ مع القتل؟
يا من تدّعون الجرأة، هل من الشجاعة أن تحوّلوا المأساة إلى نكتة، دون أن تجرؤوا على تسمية المجرم باسمه الكامل: سفاح الأطفال؟

غزة، يا موطن الروح النازفة، لست بحاجة لمن يرثيك برسوم جوفاء. بل لمن يُشهِر وجه الحقيقة في وجه الجلاد.
غزة، يا شجرة الزيتون المحاصرة بالجرافات، أطفالك لا يحتاجون إلى من يرسمهم هياكل عظمية، بل إلى من يُدين سياسة التجويع، والقتل البطيء، وجرائم الإبادة.
إن كل خط في هذا الكاريكاتير هو سهم مسموم يُغرس في ضمير العالم.

الصوفية تقول: “الحق لا يُقال إلا إذا كان يروي ظمأ القلوب”.
لكن شارلي إيبدو لم تقل حقًا، بل روّت غليل العنصرية، وسقتها من نبع الحقد.
في فنها، لا نجد بصيرة الحكمة، بل سذاجة التواطؤ… لا نجد شعلة الحرية، بل رماد الأكاذيب.

إننا لا نطلب من الصحف أن تبكي، بل أن تشهد.
لا نطلب منها أن تعانقنا، بل أن تكشف المستور، وأن لا تغمض عينيها أمام سفك الدماء.
لكن حين تتحول الصحافة إلى مهرج في سيرك القتلة، فإنها تفقد قداستها، وتدخل دهاليز العار.

وها نحن نرى:
طفلًا غزاويًا، نحيف الجسد، ضائع النظرة، محمولًا بيد نتنياهو… لا كما يُحمل الطفل بل كما تُمسك الدمية.
هكذا قررت الصحيفة أن تصوغ رؤيتها: قاتلٌ طريف، وضحيةٌ بحجم قبضة يد.
فأين الكرامة؟ وأين الغضب؟ وأين العين التي ترى؟

في هذا الرسم، ذاب الحبر في دم الضحية.
وفي هذا الصمت، تآمرت السخرية مع الذبح.
وفي هذا المقال، نحاول فقط أن نعيد ترتيب الأبجدية:
لا أحد يضحك حين يُدفن الأطفال أحياء.

عبد اللطيف رقيق مراكش في 4 غشت2025

Exit mobile version